الشيخ محمد رشيد رضا
406
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أما الصدقة فهي من الخيرات التي لا مرية فيها وان اظهارها قد يؤذي المتصدّق عليه ويضع من كرامته ، وقد يكون الجهر بالامر بها والحث عليها أشد ايذاء وإهانة له من إيتائه إياها جهرا ولو كان ذلك مع الاخلاص وابتغاء مرضاة اللّه تعالى ولهذا قال عز وجل « إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » فقد مدحها اللّه تعالى مطلقا ، وجعل إخفاء ما يؤتاه الفقير منها خيرا من إظهاره لان بعض الفقراء يتأذى بالاظهار ويراه إهانة له ، ولو كان جميع الفقراء أو أكثرهم يتأذون بالاظهار لحرمه اللّه تعالى وأوجب الاخفاء إيجابا . فلما ذم اللّه تعالى النجوى وبين انه لا خير في كثير منها وكان مما قد يترتب على ذلك أن لا يتناجى المتعاونون على الخير فيما بينهم في أمر بعضهم بضعا بالصدقة الخفية على المستحقين لها من أهل الحياء والكرامة الذين يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف ، استثنى الحكيم الخبير هذا النوع من النجوى حتى لا يتحاماه المتورعون خوفا ان يدخل فيما لا خير فيه وأما المعروف فقد يخفى وجه استثنائه وهو في اللغة ضد المنكر أي ما تعرفه وتقره النفوس وتتلقاه بالقبول ، لموافقته للمصالح وانطباقه على الطباع والعقول ، قال بعض أهل الفراسة من العرب : اني لأعرف في عيني الرجل إذا عرف ، وأعرف في عينيه إذ انكر ، واعرف فيهما إذا لم يعرف ولم ينكر ، الخ ولما كان الشرع مهذبا للنفوس ومرشدا للعقول ، ومقوما لما مال وانآد من أحكام الفطرة البشرية بسوء اجتهاد الناس ، صار اعرف المعروف ما أرشد اليه أو أقره واستحسنه ، وانكر المنكر ما نهى عنه وذمه وكرهه ، فالذي يؤمر بالمعروف على مسمع من الناس يستاء في الغالب من الآمر ، ولا سيما إذا كان من اقرانه حقيقة أو ادعاء ، لأنه يرى في امره إياه استعلاء عليه بالعلم والفضل ، واتهاما له بالتقصير أو الجهل ، واشرافا عليه بالتعليم والتهذيب ، من أجل هذا كانت النجوى به أبعد عن الايذاء ، وأقرب إلى القبول والامضاء ، وكان من هداية اللطيف الخبير ان يدخله في هذا الاستثناء ، ليكف عنه محبو الاستعلاء ، ولا يتأثم به من يعرفون فائدة الاخفاء ، وأما الاصلاح بين الناس فهو أيضا من الخير الذي قد يترتب على اظهاره